بين الاستراتيجية والتنفيذ.. كيف نحكم على الحملة؟

خلال الأيام الماضية أثارت حملة "طرّي المود" لساندوتش السعودية نقاشًا واسعًا. البعض أعجبتهم والبعض انتقد العبارة والبعض توقف وتساءل: أحد فهم شيء؟

لكن قبل الدخول في تفاصيل الحملة هناك نقطة تستحق التوقف: التسويق ليس مدرسة واحدة ولا منهجية واحدة تفسّر كل شيء.

هناك العديد من المدارس والمنهجيات في مجالات بناء العلامات التجارية وعلم السلوك والتسويق والتموضع والاتصال. وكل فرد بغض النظر عن خبرته يعرف بعضها ويحكم على أي عمل بناءً على الأدوات والمفاهيم التي تعلمها أو مر عليها. الخطر يكمن في خلط حدود معرفتنا مع حدود المجال نفسه. نرى مشروعًا أو حملةً دون فهم سبب نجاحها ثم نبدأ في تحليلها والحكم عليها بناءً على معرفتنا وخبرتنا فقط وقد يكون وراءها مفهوم أو منهجية مختلفة أو فهم للجمهور لا نعرفه.

لذلك، ربما كان السؤال المفترض طرحه قبل إبداء الآراء: هل هناك شيء ما لا نعرفه؟ البحث عن سبب النجاح قد يفتح لنا بابًا إلى مدرسة أو أداة أو طريقة تفكير ربما نجد فيها إضافة لأعمالنا ومشاريعنا. وهذا لا يعني أن كل حملة ناجحة تعتمد بالضرورة على نظرية نفسية أو منهجية. أحيانًا يكون نجاح الحملة يستند على الخبرة أو التجربة أو الحدس. المقصد هنا: من الأفضل قبل الحكم أن نفهم الفرضية والهدف والسياق.

ومن هنا أعود إلى قاعدة مهمة في التسويق: الإعلان الجيد لا يبدأ من النص أو التصميم، بل من فهم الإنسان. التسويق في جوهره محاولة لفهم السلوك البشري: ما الذي يجذب انتباهنا؟ ما الذي يثير فضولنا؟ ما الذي نتذكره؟ لماذا نتخذ قرارًا معينًا؟ وكيف تختلف استجابتنا للرسالة باختلاف العمر والتجربة والثقافة والسياق؟

ولهذا، فإن كثيرًا من الأفكار الإعلانية لا تُبنى بالضرورة لتنال إعجاب الجميع وإنما لتحرّك سلوك محدد لدى شريحة محددة. وفي علم السلوك نجد مفاهيم مثل الفضول والتنافر المعرفي والانتماء للهوية والإثبات الاجتماعي والمفاجأة وغيرها. ويعرف أهل التسويق أن الخروج عن المألوف أحيانًا يكون أقوى في التأثير من تقديم رسالة جميلة ومتوقعة.

والتاريخ الإعلاني مليء بأمثلة كهذه:

عندما وضعت Nike كولن كايبرنيك في قلب حملتها الشهيرة في 2018 أثارت الحملة الجدل وأحدثت انقسامات بين الناس ووصل الأمر إلى مقاطعة العلامة وحرق منتجاتها. لكن Nike كانت تعرف جيدًا من تخاطب والقيم التي تريد أن ترتبط بها. وخلال أسبوع أظهرت البيانات ارتفاع في مبيعاتها الإلكترونية. هل نقدر نقول أن الحملة كانت غلط؟

وعندما عرضت Burger King برغر يتعفن أمام الجمهور في حملة Moldy Whopper في 2020 اعتبرها البعض منفرة وغير مناسبة لعلامة غذائية. لكن التنفير كان جزءًا من الفكرة: لإثبات أن المنتج أصبح خاليًا من المواد الحافظة الصناعية. الحملة أثارت الجدل وقتها لكنها حصدت بعض أهم الجوائز الإبداعية عالميًا.

المقصد، كلما رأيت حملة تثير استغراب الناس لا تتساءل: هل أعجبتني؟ بل أسأل نفسك: ماذا تحاول الحملة أن تجعلني أفكر أو أشعر أو أفعل؟ ومن هو الجمهور الذي تستهدفه أصلًا؟

وهناك فرق مهم أيضًا بين الاستراتيجية والتنفيذ. قد تكون الفرضية السلوكية ذكية لكن الصياغة ضعيفة أو تكون الفكرة الإبداعية قوية ويكون اختيار الوسيط أو التوقيت خاطئ. وجود منطق خلف الحملة لا يجعل تنفيذها فوق النقد. يمكن أن تكون الفكرة الاستراتيجية ذكية وفي الوقت نفسه تكون بعض الملاحظات على التنفيذ صحيحة ومشروعة.

وهنا أعود إلى "طرّي المود"، قد تكون هناك ملاحظات مشروعة على الصياغة أو الوضوح أو بعض تفاصيل التنفيذ والنقد المهني جزء مهم من تطور الصناعة. لكن حجم النقاش الذي صنعته الحملة وتداول صورها وفيديوهاتها ومحاولة الناس تفسيرها والحديث عنها خارج المساحات الإعلانية المدفوعة كلها مؤشرات لا يمكن تجاهلها عند تقييم أثرها الاتصالي. هل يعني ذلك أنها ناجحة تجاريًا؟ ليس بالضرورة. وهذه في رأيي أهم نقطة في هذا النقاش.

نحن نرى التفاعل لكننا لا نعرف ما وراء الحملة. لا نعرف أهدافها ولا شريحة الاستهداف بدقة ولا مؤشرات الأداء التي وُضعت لها ولا أثرها على المبيعات أو الحصة السوقية أو معدل تكرار الشراء. كما أن النجاح قد يتأثر بعوامل أخرى مثل قوة المنتج والتوزيع وحجم الإنفاق والتوقيت. فإذا كانت الحملة قد حققت الأهداف السلوكية والتجارية التي صُممت من أجلها فهي ناجحة وفق تلك الأهداف حتى مع وجود ملاحظات على بعض عناصر التنفيذ. وإذا صنعت ضجة دون أن تحرّك السلوك المستهدف أو تحقق أهدافها التجارية، فالضجة وحدها لا تكفي لإعلان النجاح.

بعد سنوات من متابعة التسويق ودراسته وجدت أن أحد أهم الدروس أنه يذكّرك باستمرار بأن ما تعرفه ليس هو كل شيء. وعندما نرى نتيجة لا نستطيع تفسيرها بأدواتنا الحالية لا يعني ذلك أن النتيجة صحيحة بالضرورة ولا أن نقدنا خاطئ لكنه سبب كافٍ لأن نبحث قبل أن نحكم. وأحيانًا، أكثر ما يطوّرنا مهنيًا ليس العمل الذي نفهم لماذا نجح بل العمل الذي نجح ولم نفهمه بعد. فكلما فهمنا الإنسان أكثر وفهمنا المدارس التي تحاول تفسير سلوكه فهمنا التسويق أكثر.

كاتب المقال:

كنّا في مقعد العميل

نعرف كيف يبدو التنفيذ من الداخل.